محمد رأفت سعيد

111

تاريخ نزول القرآن الكريم

وهذه النار التي وضعت في هذه السورة نذيرا للبشر . حتى قال الحسن : والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها . ومن وجوه الإنذار التي أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتوجيهها إلى الناس ، الإنذار بوعيد الله بنماذج من البشر كفرت بأنعم الله ، وأنذر بسقر وما يتعلق بها من أخبار غيبية : إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) وأكد هذا الإنذار بآيات كونية يلفت القرآن الكريم النظر إليها : كَلَّا وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) . فالقسم بآيات كونية هنا ينبه إلى أمور يحتاجها الإنسان في إنذاره وبنائه على العقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، منها : التأمل والنظر في مظاهر قدرة الله سبحانه في آياته الكونية فالقمر الذي جعله نورا ، والليل الذي ولى بظلامه ، والصبح الذي أضاء ، آيات كونية تنبه الإنسان إلى عظيم خلق الله وقدرته ، وتنبهه إلى منة الله عليه ونعمته ، وكيف سخر له هذه الآيات لينتفع بها ، وإذا كانت هذه الآيات الكونية المذكورة تنكشف بها الأشياء انكشافا لا خفاء فيه فالقمر بنوره الهادئ والصبح كذلك ، وذهاب ظلمات الليل تجعل الإنسان يبصر الأشياء ويدرك وجودها فالذي جلى الأشياء للإنسان بهذه الآيات الكونية وكشفها هو الذي يخبر عن سقر ويقسم : إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) . ومن هنا ندرك من بدايات التنزيل كيف يوجه القرآن الكريم الإنسان إلى النظر والتفكير في آيات الله المبثوثة في هذا الكون ، وفي النفس الإنسانية نظرة تأمل واعتبار ، ونظرة إدراك تسخير الله سبحانه لهذه الآيات الكونية لانتفاع الإنسان بها ، ونظرة التوافق التي تجعل الإنسان لا يشعر برهبة أمام هذه الآيات الكونية ، لأنها مخلوقة ومسخرة ، ولا حول لها ولا قوة إلا بخالقها ومسيرها سبحانه وتعالى . ومع وجوه الإنذار في هذه السورة الكريمة يأتي تقرير المسؤولية الفردية والتي تقوم على ما منح الله الإنسان من القدرة على الفعل والترك والتقدم والتأخر والاختيار لما يعمل من خير أو شر ، فالنذارة كذلك لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة ، أو يتأخر إلى الشر والمعصية نظيره : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [ الحجر : 24 ] ، أي في الخير وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) [ الحجر ] أي عنه . ويذكر الحسن أن قوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله